ULINNUHA ALLABIB GURU YAPISTA

Halaman

menunavngampar

Senin, 12 Oktober 2020

رؤية وتحليل ونقد

رؤية وتحليل ونقد

لرواية "أولاد حارتنا" التي كتبها الروائي الكبير الأستاذ نجيب محفوظ

بقلم: أولي النهى

تعتبر هذه الرواية من أهم وأكثر الكتابات الأدبية المعاصرة التي لاقت جدالا ونقاشا حاداً بين القراء والنقاد في العصر الحديث للأدب العربي، فهي رواية أدبية تناولت قصة حارة شعبية في مصر، نشأت من بيت كبير في منطقة فارغة بجوار القاهرة، ثم انتشر أبناء هذا البيت حتى ملؤوا خلاء هذه الحارة وعمروها بأعداد غفيرة من أبناء صاحب ذلك البيت الكبير المسمى "بالجبلاوي" وهكذا يستمر السرد فيها مصوراً لهذه الأسرة التي سكنت البيت الكبير أولاً ثم أخرجت منه لعمارة وبناء الخلاء حول هذه البيت حتى نشأت تلك الحارة وكثر أبناؤها، وحدث بينهم صراعات كثيرة على تولي سلطة هذه الحارة وإدارة وقفها وأموالها التي أوقفها الجد الكبير لأبنائه ووضع لهم شروطاً لاستحقاق أموال وخيرات هذا الوقف.

القضية المطروحة في هذا العمل الأدبي قضيةٌ اجتماعية واقعية في حياة الناس، تمثل الصراع المعهود بين الحق والباطل، والظلم والعدل، والخير والشر، والسلطة والشعب، وانتظار قدوم الــمُخلِّص الذي يسعد هذه الحارة وينصف أبناءها ويعطي كل ذي حق حقه

هذه هي الرواية في ثوبها الظاهر، ولكن القارئ البصير الناقد يلحظ بأدنى تأمل من خلال تتابع أحداثها وترتيب وقائعها ورمزية شخصياتها أنها تنطوي على رؤية كونية من الكاتب لتاريخ بداية البشرية وتاريخ أهم الأديان السماوية: اليهودية والنصرانية والإسلام، ثم ظهور العصر الحديث عصر المعلومات والحضارة التقنية.

قد كثرت الرموز والإشارات التي كتبها نجيب محفوظ فينبغي علينا تحليلها والنظر إليها بإنصاف؛ حتى يكون الحكم على هذا العمل وعلى كاتبه حكما منصف لا إفراط فيه ولاتفريط. 

أولا: أول ما ينبغي أن يضعه القارئ الناقد في ذهنه لهذا العمل أن الكاتب لم يكتب فيها كتابا تاريخيا أو عقائدياً، بل قد كتب تاريخ حارة من حارات مصر وهو من أبنائها كرواية أدبية تحمل قضية. فهو روائي مؤرّخ.

ثانيا: الكاتب هو من أعلام المنهج الواقعي في الأدب الحديث وهذه سمة بارزة في أعماله، فلم يتكلم عن الخيال أو الرومانسية، بل كانت أحداث الرواية تدور حول قضايا اجتماعية نعيشها بشكل يومي. وهذا المذهب إنما سلكه لعلاج قضايا المجتمع من خلال عمله الأدبي كما في ذلك في رواية "القاهرة الجديدة".

ثالثا: قبل أن نحلل أو نتكلم في نقد أي عمل روائي كان، لابد لنا من معرفة شخصية الكاتب من حيث دراسته وتأثره بما حوله، وثقافته وما نشأ عليه، وتخصصه الجامعي، وكذلك تدينه وتياره الفكري، وبذلك نستطيع معرفة الخلفية الثقافية والفكرية التي نسج الكاتب عملة منها، فليس هناك عمل أدبي أو فكري مجرد عن خلفية الكاتب الفكرية، فدعوى "العقل الحر" في الإنسان دعوة وهمية، فلا يوجد إنسان إلا قد نشأ في مجتمع وقد تأثر بمحيطه وتعليمه وأساتذته وقراءاته التي اكتسبها، ومنها أقام بناء الهيكل الفكري والثقافي لمعارفه.

فلا غرو بعد ذلك إذا رأينا في هذه الرواية تناصاً أو تعالقاً أو تشابكاً من نصوص أخرى تأثر بها الكاتب، كما تسمى"السرقاته الخفية" من المصادر التي قرأها؛ كالقرآن الكريم وتفاسيره مثلا، والإنجيل والتوراة، وكتب الفلاسفة وغيرها، ثم اختيار منها وأخذ ما يناسب رؤيته الكونية والدينية ليُنشئ هذا العمل الأدبي.

رابعا: مهما حاولنا أن نقرأ هذه الرواية ونحللها وفق نظرة غير دينية كما فعله بعض النقاد، بأن جعله صراعاً بين السلطة والشعب- فإننا سنجد أنفسنا أمام حقيقة في سر الأحداث وتتابعها وتفصيلها لا يمكننها مهما تكلفنا إهمالها- سنجد أنفسنا أمام التفسير الديني لا مناص، فحقيقة الأحداث التي طرأت على الرواية من بدايتها، وكذلك التسلسل التي سردها الكاتب وشخصياتها وأدوارهم فيها بل واشتقاق أسمائهم- كل ذلك كان بيناً على لزوم الخلفية الدينية والفلسفية لهذا العمل، ومنكره منكر لجميع الأحداث التي سارت عليها الرواية، وهذا ما يسمى"نظرية التناصّ أو التعالق أو التداخل" بين النصوص؛ وهي أن النص يحمل رمادا فكريا أو ترسّبات لأفكار من نصوص أخرى. وهذه ظاهرة جدا في هذه الرواية لكل من قرأها. وإلا.. فقد كذبنا أنفسنا. وإن رمز الكاتب في عمله ولم يصرح به.

خامسا: من الإشكاليات الكبرى التي تبنى على الرؤية الدينية لتحليل هذا العمل-شخصية الجبلاوي، فإننا سنجد أن محفوظ كتب رمز بهذه الشخصية إلى "الإله" جل جلاله، وهل يجوز تجسيد الإله بشخصية إنسانية كالجبلاوي؟ هذا مخالف للعقائد ومناف لأحكام الشريعة، ولكن الكاتب لم يصرح بأن الجبلاوي هو الإله، ولم يجعل كتابته سوى عملاً أدبياً تحكي أحداث حارة مصرية، وليس كتاباً في تاريخ العقائد والأديان.

وبذلك نجد أن الكاتب قد استخدم "نظرية الأنسنة" في الأدب، وهي تحكيم المقاييس البشرية على الأحداث من غير تدخل لقوى خارقة للعادة أو قوى غيبية؛ وذلك تحقيقاً للواقعية الأدبية التي يعبر عنها سرد الأحداث، ولو أنه جعل إحدى هذه الشخصيات خارقة للعادة أو صرح بأنها إله وخالق للشخصيات الأخرى- لكان ذلك إقرار وتصريح بموضوع ورسالة النص، ولخرج النص بذلك عن السرد الروائي الأدبي إلى كتاب لتاريخ الأديان.

وهذه الأنسنة قد استعملت في الكتابات الأدبية قديما وحديثا على ما نجده عند ابن المقفع في قصص كليلة ودمنه، فقد أنسنَ حيوانات الغابة، وجعل بينها حوار وعلاقات وأحداث وفوائد وعبر كأنك أمام مملكة بشرية كاملة.

تحليل قسم: (أدهم)

في هذا القسم الأول صور نجيب محفوظ قصة أدهم وكيف أنه مثل قصة آدم عليه السلام، وكيف أنه بار حتى اختاره الجبلاوي لعمل إدارة الأوقاف مما جعل أخاه إدريس يحقد عليه ويرفض قرار الجبلاوي قائلا: "إني وأشقائي أبناء السيدة هانم من خيرة النساء. أما هذا فابن جارية سوداء..". فطرده الجبلاوي من البيت الكبير ولم يعتبره ابنا له. بعد مدة استطاع إدريس أن يدخل غرفة إدارة الأوقاف بتسلل مع الناس وحوائجهم. متظاهرا أنه تاب، فرقّ له أدهم وأراد أن يساعد أخاه إدريس مما أصابه. وأميمة زوجته مع إدريس في الرأي، والرأي أن يطلع على حجة الأوقاف. هنا كانت العقدة. أدهم أخطأ وعصى الجبلاوي، فطرده وزوجته من البيت الكبير. توالت المشاكل والمصائب بعد ذلك وأدهم لا يزال يرجو رحمة الجبلاوي وعفوه. ومنها أن ابنه قدري قتل شقيقه همام البار لأبيه وجده. وأدهم لم ييأس من رحمة الجبلاوي حتى جاءه في آخر حياته وقد عفا عنه!!

فالقارئ لهذه الرواية قطعا إذا لاحظ فهم كل هذه الرموز التي تشير إلى قصة آدم وحواء وإبليس. هنا أيضا نقطة إبداع نجيب حيث حبك القصة المعروفة حبكة أدبية تحمل قضية وتشوّق القارئ إلى أن يتابعها مع تياره ورأيه وسبكه فيها، ثم أضاف شخصيات أخرى لغرض رائع كما سنرى إن شاء الله.

.   شخصيات:

الجبلاوي: جد لعائلة وصاحب بيت كبير، ورجل جبار لا يشبهه أحد في تلك الحارة، معتزل معتكف في بيته، عالم بالأحداث التي تقع في الحارة، ولكنه غير متدخل فيها.

ولكن هل هذه هي الرؤية الدينية للإله في الكتب السماوية؟ أم هي رؤية فلسفية للإله عند أرسطو؟  يرى أرسطو أن الإله هو المحرك الأول لهذا العالم، وهو سبب الحركة فيه ونشأت هذه الحركات في الكون عن المحرك الأول. فالإله عنده لم يخلق الأشياء وإنما هو مصور، وهذه نظرية قدم العالم، كما أنه يعلم الكليات من الأحداث في هذا العالم ولا يعلم الجزئيات.

أدهم: ولد بار لوالده الجبلاوي، ولكنه أخطأ في التزام أوامره فطرده الجبلاوي من البيت الكبير، ليبني بيتها له ولأسرته في الخلاء وليعمر أبناؤه بعد ذلك هذا الخلاء الكبير، ولكنه بعد ذلك رجع إلى البيت الكبير وعفا أبوه عنه وكان عنه راضياً. ونجد فيه رمزاً للضعف والخير مع الطاعة والرضا فلذلك كانت نهاية العودة إلى البيت الكبير، ورمزية آدم عليه السلام واضحة في هذه القصة، كذلك رمز البيت الكبير إلى الجنة، كما وردت في قصص القرآن.

إدريس: ولد عاق للجبلاوي، وهو رمز للشر والتمرد والتكبر والعصيان على الجبلاوي، اعترض على أبيه في تسليمه إدارة الوقف لأخيه الأصغر أدهم، لوم يرض لحكم أبيه، بل تكبر وتجبر وعصى حتى طرده الجبلاوي من البيت ولعنه ولم يعفو عنه ولم يرجعه إلى البيت بعد ذلك أبدا، ونرى رمزي إدريس إلى قصة إبليس في القرآن بينة واضحة.

رضوان، وعباس، وجليل: إخوة لهما عقماء لا ذرية لهم. وهم بارون الجبلاوي لا يعصونه في أمره. ورمزية الملائكة فيهم واضحة.

أميمة: زوجة أدهم التي شجعته على مخالفة والده باطلاعه على مجلد الحجة الذي دون فيه الجبلاوي إرادته في المستقبل ولم يطلع أحدا عليه. وكانت هي وإدريس سبب خروج أدهم من البيت الكبير، وقد أنجبت لأدهم ولدين هما: قدري وهمام. ويظهر جليا رمزية أميمة لحواء.

قدري: ولد لأدهم كان بارا به ثم عق. وصار صفاته امتداد لعمه إدريس في الشر. وقد قتل أخاه همام. وذلك بعد أن اختار الجبلاوي أن يعيد همام إلى البيت الكبير دون قدري، وكان في قدري صفات الخبث والشر والعصيان والتمرد، تزوج بهند بنت عمه إدريس وأنجبا أولاد حارة الجبلاوي. ويظهر رمزية قدري إلى قابيل ابن آدم عليه السلام.

همام: الابن البار الصالح الطائع لأدهم، اختاره الجبلاوي لصلاحه ونقائه لكي يعود ويسكن البيت الكبير، فقام قدري بقتله على إثر ذلك. وتظهر رمزيته لهابيل.

نرجس: زوجة إدريس، وهذه شخصية ابتدعها الكاتب ليتمم تقنيات الحبكة الأدبية، وليصل منها إلى ولادة هند بنت إدريس التي يتزوجها قدري بعد ذلك.

هند بنت إدريس: تزوجت بقدري بن همام، وأنجبت له ذرية حارة الجبلاوي، وهذه شخصية اخترعها الكاتب ورمز بها إلى الرابطة القديمة بين أدهم وإدريس والتي استمرت في ذريتهما بعد غيابهما، وهي إشارة إلى الشر المتأصل في البشر منذ بداية الخلق، وفي باطن كل إنسان دافع للخير أصله من أدهم، ودافع للشر وأصله من إدريس.

.   عقدة الرواية: عصيان الجبلاوي، وتظهر في صورتين، عصيان إدريس فأسس لخروجه وبداية ظهور الحارة في الخلاء، وعصيان أدهم أدى لخروجه ليكتمل بناء الخلاء بشكل مشترك من ذرية خرجت فيها ارتباط بين أدهم وإدريس، ويعني الخير والشر والصراع القديم بينهما.

.   الموضوع: البار عاقبته الرضا والإكرام، والعاق عاقبته الطرد والحرمان.

.   الراوي: الراوي العليم، وهو من أحد أحفاد الجبلاوي المتأخرين ممن عاصر عرفة آخر الشخصيات الرئيسة، وقد اختبأ الكاتب وراءه وجعل سرد الأحداث من خلاله.

.   الرموز والإشارات:

       الشروط العشرة: تتضنها آية ١٥١ – ١٥٢ من سورة آل عمران. أو

 The ten commandements.  

       البيت الكبير وما فيها من الحدائق: الجنة

       حجة الوقف: اللوح المحفوظ أو شجرة الخلد، وقد أدى الاطلاع عليها إلى عصيان أدهم الجبلاوي.

       إدارة الوقف: خلافة الأرض

       عم كريم: جبريل عليه السلام

من النقد على الكاتب في هذا الفصل:

أنه صور الجبلاوي منذ بداية الأحداث رجلا ظالما طاغيا لا رحمة عنده، ولم يسع الكاتب إلى إظهار جوانب الحكمة في إرادة الجبلاوي وفي قرار إخراجه لأدهم وذريته إلى الخلاء وعدم إعادتهم إلى البيت الكبير.
  وهذه أكبر إشكاليات الرواية، حتى أن الكاتب تعرض للتكفير ومحاولة القتل بسببها.

أما وصف الكاتب للجبلاوي بهذه الصفات، فهي أكثر إشكاليات الرواية، لأن هذه الأوصاف لم تجر على لسان إدريس وقدري اللذين كان موقفهما موقف المتمرد المعارض، بل جرت بعض هذه الأوصاف حتى لسان أدهم وأميمة في داخل النص، فهل أراد الكاتب الانتقاص أو الانتقاد لذات الجبلاوي أم أراد أن يظهر حالة المعاناة التي عاشها أبناؤه بعدما أصبحوا خارج البيت الكبير، وطبيعة الإنسان يجري على لسانه شيء من الاعتراض على حكم الأب بسبب شدة أصيب بها وبلاء حلّ به ولو كان مطيعاً له راضيا بحكمه، وهذا ما يقتضيه التصوير الفني للأحداث داخل العمل الأدبي ونحن نسرد رواية أدبية لا تاريخاً دينياً؟ والله أعلم.

وقد قام بعض الدعاة في مصر أمثال عمر عبد الرحمن وغيره بتكفير نجيب محفوظ لهذه الأسباب، والحق أنه لا يجوز تكفير، فهو طيلة هذا العمل الأدبي وحتى من خلال حياته لم يصرح بأنه أراد بشخصية الجبلاوي الحق جل جلاله، وإنما تم تفسيرها بهذا الشكل عن طريق القرائن والرموز والكنايات، وهذا تكفير باللازم وهو غير جائز، فالتكفير حكم لا يكون إلا في التصريح لا في الكنائي، والرواية من أولها إلى آخرها ليس فيها تصريح بالأديان أبدا.

وهنا تأتي أهمية وخطورة العمل الأدبي في كونه يلامس المضامين المهمة في حياة الإنسان وفكره وعقيدة من غير أن يباشرها بشكل صريح، فالرواية وإن كانت رائحة الرؤية الدينية فيها فائحة منتشرة إلا أنها في لباس العمل الأدبي الذي يسترها ولا يصرح بها.

 

×
Judul